الغزالي
34
إحياء علوم الدين
ولا يكتب حديث ولا غيره ، بل يجتهد أن لا يخطر بباله شيء سوى الله تعالى . فلا يزال بعد جلوسه في الخلوة قائلا بلسانه الله الله على الدوام ، مع حضور القلب ، حتى ينتهى إلى حالة يترك تحريك اللسان ، ويرى كأن الكلمة جارية على لسانه . ثم يصبر عليه إلى أن يمحى أثره عن اللسان ، ويصادف قلبه مواظبا على الذكر . ثم يواظب عليه إلى أن يمحى عن القلب صورة اللفظ وحروفه وهيئة الكلمة ، ويبقى معنى الكلمة مجردا في قلبه ، حاضرا فيه ، كأنه لازم له لا يفارقه . وله اختيار إلى أن ينتهى إلى هذا الحد ، واختيار في استدامة هذه الحالة بدفع الوسواس ، وليس له اختيار في استجلاب رحمة الله تعالى . بل هو بما فعله صار متعرضا لنفحات رحمة الله . فلا يبقى إلا الانتظار لما يفتح الله من الرحمة ، كما فتحها على الأنبياء والأولياء بهذه الطريق . وعند ذلك إذا صدقت إرادته ، وصفت همته ، وحسنت مواظبته ، فلم تجاز به شهواته ، ولم يشغله حديث النفس بعلائق الدنيا ، تلمع لوامع الحق في قلبه ، ويكون في ابتدائه كالبرق الخاطف لا يثبت ثم يعود ، وقد يتأخر ، وإن عاد فقد يثبت ، وقد يكون مختطفا وإن ثبت قد يطول ثباته ، وقد لا يطول ، وقد يتظاهر أمثاله على التلاحق ، وقد يقتصر على دفن واحد . ومنازل أولياء الله تعالى فيه لا تحصر ، كما لا يحصى تفاوت خلقهم وأخلاقهم . وقد رجع هذا الطريق إلى تطهير محض من جانبك ، وتصفية وجلاء ، ثم استعداد وانتظار فقط وأما النظار وذوو الاعتبار ، فلم ينكروا وجود هذا الطريق وإمكانه ، وإفضاءه إلى هذا المقصد على الندور ، فإنه أكثر أحوال الأنبياء . والأولياء . ولكن استوعروا هذا الطريق واستبطئوا ثمرته ، واستبعدوا استجماع شروطه ، وزعموا أن محو العلائق إلى ذلك الحد كالمتعذر ، وإن حصل في حال فثباته أبعد منه ، إذ أدنى وسواس وخاطر يشوش القلب . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « قلب المؤمن أشدّ تقلَّبا من القدر في غليانها » وقال عليه أفضل الصلاة والسلام [ 2 ] « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمن »